محمد الحفناوي

185

تعريف الخلف برجال السلف

نعيد معهم ، فقلت : لا ، فقال لي : ولم أعدنا الصبح بمكة ، فقلت له : كذلك كان شيخي يفعل ، وبه أمرنا فاختلفنا ، فقال أبو مدين : فقلت لهم : أما إعادة الصبح بمكة فإنها عين اليقين ، وبغداد علم اليقين ، وعين اليقين أقوى من علمه ، وصلاتكم بمكة وهي أم القرى فلا تعاد في غيرها ، قال فقنعا به وانصرفا . وفي حقائق المقري عن أبي يزيد البسطامي أنه قال : يظهر في آخر الزمان رجل يسمى شعيبا ، لا تدرك له نهاية ، قال : وهو أبو مدين ا ه . وكان استوطن بجاية ويفضلها على كثير من المدن ، ويقول : إنها تعين على طلب الحلال ، وما زال حاله يزداد رفعة ، وترد عليه الوفود من الآفاق ، ويخبر بالغيوب حتى وشى به بعض علماء الظاهر عند يعقوب المنصور ، وخوفوه منه على الدولة ، وأنه يشبه الإمام المهدي ، قد كثر أتباعه من كل بلد ، فوقع في قلبه وأهمّه شأنه ، فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره ، ووصى صاحب بجاية به ، وأن يحمله خير محمل ، فلما أخذ في السفر شق على أصحابه وتغيروا ، فسكّنهم . وقال : إن منيتي قربت ، وبغير هذا المكان قدرت ، ولا بد منه ، وقد كبرت وضعفت لا أقدر على الحركة ، فبعث اللّه لي من يحملني إليه برفق ، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني ، فطابت نفوسهم وعدوه من كراماته ، فارتحلوا به على أحسن حال حتى وصلوا حوز تلمسان ، فبدت لهم رابطة العباد ، فقال لأصحابه : ما أصلحه للرقاد ، فمرض فلما وصل وادي يسر ، اشتد مرضه ونزلوا به هناك ، فكان آخر كلامه : اللّه الحق ، فتوفي [ 124 ] سنة أربع وتسعين وخمس مائة ( 594 ) ، فحمل للعباد مدفن الأولياء الأوتاد ، وخرج أهل تلمسان لجنازته ، فكانت مشهدا عظيما ، وفي ذلك اليوم تاب الشيخ أبو عمر الحباك ، وعوقب السلطان ، فمات بعده بسنة أو أقل ، والدعاء